الكتابات
تحليق في سماء العظمة 1
سبحان من جبل الإنسان على حب العلو والارتفاع، فما كلَّت البشرية ولا ملَّت تحاول – بشتى الوسائل والطرق – التحليق في هذه السماء الفسيحة وذلك الفضاء الواسع، حتى أحرزوا ما أرادوا بفضل الله سبحانه. وكم هو ممتع ذلك الشعور ؛ عندما ترى منظر المدن من نافذة الطائرة وترى المنازل والسيارات وكأنها ألعاب طفل!
وما زلنا نرى البشر يتطاولون في البنيان، والتجار يجذبون زبائنهم بحسن إطلالة أبراجهم وارتفاعها !
هذا في أمر السماء الدنيا. فما بالنا نغفل عن التحليق في تلك السماء العجيبة، سماء العظمة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.
عندما يتوه شخص في مدينة كبيرة متشعبة الطرق، كثيرة البنيان، كأنها غابة كثيفة في ليلة مظلمة! فإنك تجده يحدِّق في تلك الورقة التي يسمونها (خارطة)، تلك الورقة التي تضع لك المدينة الكبيرة على بضعة أشبار..! ترى أطراف المدينة وكأنك تنظر إليها من السماء السابعة !
هكذا هي السماء المحمدية.. عندما تضل الطريق ! وتكثر المعوقات والمتاهات، فما عليك إلا بالخارطة المحمدية.. لتتضح لك الأمور وكأن ضبابا كثيفا ينقشع! تسمى تلك الخارطة: “كتب الحديث”.
إن التحليق في السماء يختصر المسافات، ويجلّي الطريق، ويسعد النفس.
وبما أن الشيء لا يُعرف طعمه إلا بالتجربة، ولا يُعرف قدره إلا بالفقد، فلعلي قبل أن أختم مقالتي أجوب بكم في تلك السماء العجيبة؛ لتتذوقوا حلاوتها ،وتعرفون قدرها، ولا يترك الحلو بعد معرفته مع القدرة عليه والحاجة له إلا أحمق!
فإلى كل متمسك برأيه، متشبث به وقد تبين له فساد تصوره، وسوء تفكيره مكابرة وعنادا. تأمل في هذا الموقف العجيب الذي يحكيه لك أبوموسى الأشعري –رضي الله عنه-، يقول:
أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- في رهط من الأشعريين نستحمله . فقال: “والله لا أحملكم . وما عندي ما أحملكم عليه”، قال : فلبثنا ما شاء الله ، ثم أُتِي بإبل . فأمر لنا بثلاث ذود غر الذرى . فلما انطلقنا قلنا
( أو قال بعضنا لبعض ) : لا يبارك الله لنا، أتينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نستحمله فحلف أن لا يحملنا ، ثم حملنا . فأتوه فأخبروه ، فقال: ” ما أنا حملتكم، ولكن الله حملكم ، وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين ثم أرى خيرا منها ، إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير “.
فإن كان نبيك –صلى الله عليه وسلم- يرجع في حلفه إن رأى في غيره خيرا منها، فما بالك بمجرد الرأي!
22 – 3 – 1433 هـ
النقاش
0 ردود