الكتابات
إعادة التأهيل على الكتابة !
لو رأيتني أيها القارئ الكريم وأنا أتقلب بين الملفات والمجلدات في حاسبي المحمول لرأفت بي !
هنا مقال خديج أو ناقص أو أفكار مبعثرة، وهناك أبيات كَتبت شطرها الثاني ولم أكمل شطرها الأول.
وأثناء هذا التقلب (يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك) ألح عليّ سؤال:
لماذا تصعب علي الكتابة حينا، وتسهل حينا ؟
أنا هو أنا (على ما أظن!)، ولوحة المفاتيح هي لوحة المفاتيح، والقهوة السوداء بجانبي كالمعتاد .. فما الذي يحدث ؟
خطر في بالي أن الكتابة عضلة تحتاج إلى تمرين كباقي عضلات الجسم (وأعتقد أنني حفظت نصائحهم: مرتين في الأسبوع على الأقل للعضلة الواحدة، 3 دورات، 12-10-8)
لكن، هل هذا هو السبب الوحيد ؟
تأملت في نفسي فوجدت أن هناك ثلاثة أسباب أخرى -وتنطبق هذه الثلاثة على أي محتوى يشارك مع الناس-:
السبب الأول: الهم الغائب (عجل الله فرجه)
فعندما تمر بالإنسان مرحلة لا يكون لديه هم وقضية تشغل باله، وتحفزه للعمل والبحث والقراءة والتعلم، ويرى أهميتها وأثرها فإنه سيفقد الدافع الأكبر للكتابة ..
تأمل من حولك من الكتاب أو صناع المحتوى، ستجد أن لكل واحد منهم هوية وموضوعات عرف بها، فهذا في التاريخ وهذا في تقنية معينة، وذاك في القصص التي تعكس خيبات الإنسان وآلامه !
إن غياب الموضوع يعني غياب المعنى مما تريد أن تكتب أو تقول، إنه الوقود الذي لا يمكن للقلم العمل دونه.
السبب الثاني: عقدة الكمال (أعاذك الله من شر النفاثات في العقد)
لقد مر بي العديد من المشاريع التي وئدت وهي حية بسبب هذه العقدة !
يكتب الشخص العديد من المقالات الجيدة، ولكنها تبقى حبيسة الأدراج (أقصد حبيسة المجلدات في سطح المكتب) لأنه يريد أن يجودها ويحسنها ويخرجها بأفضل حلة .. فيستمر في التنقيح والحذف والإضافة حتى يمل ويتركها.
ولا مانع أن يكون للكاتب حوليات كحوليات زهير، ولكن يجب ألا يحاكم كل كتاباته على أنها حوليات !
لقد تأملت في العديد من الكتاب والشعراء فوجدت أن إنتاجهم متنوع بين ألماس وذهب ومجوهرات وإكسسوارات ! ومن يريد أن لا يبيع إلا الألماس فسيجد متجره مغلقا !
وتجد أن العديد من كبار الكتاب اشتهر لهم الجيد والذي يمثل ربع إنتاجهم فقط، وأزعم أنه لولا الثلاثة أرباع المتبقية لما خرج ذلك الربع .. ولكل قاعدة شواذ.
السبب الثالث: حاجز بناء الصورة
وهذا داء لا طب له..
فتجد الشخص يكتب المقالة لأنه يريد أن يقول، ثم ينتقل من: ماذا يريد هو أن يقول، إلى: ماذا سيقول الناس عني عندما يقرأون هذا ؟ أو ماذا سيظنون ؟
عندما يبدأ الإنسان بنشر أفكاره للناس يبدأ هاجس صورته أمام الناس يجلس بجواره أثناء الكتابة، وقد يمسك هذا الهاجس بالقلم فيحذف أو يمزق الأوراق !
فتجد الشخص لديه رأي ولكنه لا يريد أن يبوح به حتى لا يعرف عنه، أو لديه من شعر النسيب أبيات رقيقة جميلة لكنه يخشى مغبة ما سيتبع نشرها من تصور عنه.
ما أردت أن أقوله هو أن من أراد إعادة التأهيل للكتابة فلا يكفيه أن يمرن العضلة فقط ويلزم نفسه بالكتابة، بل لا بد أن يتفكر في الهم والقضية التي يريد أن يكتب حولها ويفني فيها جزء من عمره، وأن يسمح لنفسه بأن يخرج كتابة جيدة لا عظيمة، وأن يكف قليلا عن حراسة الصورة الشخصية -بما لا يقدح دينا ولا مروءة-.
ولعل أول قرار في برنامج إعادة التأهيل لي هو أن أكف عن تنقيح هذا المقال والحذف والإضافة التي طالت كثيرا، وأخرجه من المجلد ليتنفس الصعداء …
النقاش
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تلميذي النجيب صاحب القلم السيّال
كم ابتهج قلبي بقراءة كتاباتك المتميزة
سر على دربك ولا يثنيك عنه أحد
فدربك أخضر كصفاء قلبك الأبيض
وفقك الله في الدارين
ونفع بك الثقلين
أخوك
سعد الداعج