الكتابات
عن الطفولة .. والقلعة الزجاجية
لا شيء يشجي الفؤاد ويثير المشاعر عندي كذكريات الطفولة والأيام الخوالي .. ولعل الله قد منّ علي أن جعل لي ذاكرة لا تمسك إلا بالقليل .. والقليل يشجي !
هزّ قلبي وحرك نهر دموعي هذه الأيام صورة لا أعرف أصحابها ..
صورة لا يقل عمرها عن ربع قرن !
صورة لتسعة أطفال مصطفين أمام الكاميرا بأعمار تتراوح بين الرابعة و الثامنة، واقفين أمام تلفاز قديم بديكور خشبي عتيق .. كان الخمسة في المنتصف يتضح على محياهم السعادة، وتشع وجوههم بالبسمة فلا هم لديهم، ولا يخشون شيئا فهم لا يفكرون إلا في لحظتهم الحاضرة وهذه اللمة الأثيرة ..
قد وضعوا أيديهم فوق أكتاف بعضهم تعبيرا عن الصداقة .. كما يفعل الأطفال !
تنظر إحدى الطفلات بنظرة حب لا تخفى إلى طفل آخر مبتسمة وتراقب ..
أطفال في عمر الزهور يشعون نقاء وحماسة وسعادة .. فثار في نفسي شجن وحنين ..
وتذكرت قول قيس:
صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا *** إلى الآن لم نكبر ولم تكبر البهم !
ايه يا قيس .. لقد عبرت بهذا البيت عن البشرية جمعاء.
ألست أنت القائل كذلك:
تذكرت ليلى والسنين الخواليا *** وأيام لا نخشى على اللهو ناهيا !
لقد رأيت تلك الصورة -وليتني لم أفعل-،
ثم تأملت في حال أصحابها الآن وقد كبروا وكبرت معهم الهموم، والحواجز، والبعد، وفقدت العيون بريقها والبراءة لمعانها !
كبروا وقد كان همّ أحدهم أن يلقى صاحبه فيلهو معه ولا ينهاه شيء عن اللهو ..
والآن -ويا وحي ما الآن- همهم العيش والرزق، وقليل من نزغات الشيطان وتفريقه للقلوب.
والحقيقة أنه لا يخفف من هذا الشجن، ويطفئ هذه النار المشتعلة إلا رؤية الأطفال، والعيش معهم، والشوق إليهم،
كما قال (بدوي الجبل) وهو يعبّر عن شوقه لحفيده:
وهل دَلّلتْ لي الغُوطتان لُبانةً
أحبَّ من النُّعمى وأغلى وأَعذَبا؟
وسِيماً من الأطفالِ لولاهُ لم أَخَفْ
على الشّيبِ أنْ أنأى وأنْ أَتَغَربا
تَوَدُّ النجومُ الزُّهرُ لو أنها دُمَى
ليَختار منها المُترفاتِ، ويَلعَبا !
وعندي كنوزٌ من حنانٍ ورحمةٍ
نَعيميَ أنْ يُغرى بهنَّ ويَنهَبا
يَجورُ وبعضُ الجَورِ حُلوٌ مُحبَّبٌ
ولم أَرَ قبل الطفلِ ظُلما مُحبَبا ..!
ويَغضبُ أحياناً ويَرضى وحسبُنا
مِن الصفوِ أنْ يَرضى علينا ويَغضبا !
وإن نالَهُ سُقمٌ تمنيتُ أَنني
فداءً له كنتُ السقيمَ المُعذَّبا
ويُوجِزُ فيما يَشتهي، وكأنّهُ
بإيجازهِ دَلاً أعادَ وأَسهَبا
يَزِفُّ لنا الأعياد: عِيداً إذا مَشى،
وعيداً إذا ناغى، وعيداً إذا حبا
يَنامُ على أشواقِ قلبي بمهدِهِ
حريراً من الوَشي اليمانيِّ مُذهَبا
وأَسدِل أجفاني غطاءً يُظِلُّه
ويا ليتها كانت أَحَنَّ وأحدَبا
وحَمَّلَني أنْ أَقبل الضيمَ راضياً
وأرغبَ تَحناناً عليه وأَرهَبا
ويا ربِّ من أجلِ الطفولةِ وحدَها
أَفِضْ بركاتِ السلمِ شرقاً ومغربا
وصُنْ ضِحكةَ الأطفالِ يا ربِّ إنها
إذا غَرَّدتْ في مُوحِشِ الرملِ أعشَبا
ويا ربِّ حبِّب كلَّ طفلٍ فلا يَرى
وإن لَجَّ في الإعناتِ وَجهاً مُقَطِّبا
وهَيئ له في كلِّ قلبٍ صَبابةً
وفي كلِّ لُقيا مرحباً ثم مرحبا
ويا ربِّ إنَّ القلبَ مُلْكُكَ إنْ تَشأ
رَددتَ مَحيلَ القلبِ ريّانَ مُخصِبا
قرأت في الأيام الماضية كتابا استطاع أن يأخذني برحلة ممتعة كما لم يفعل كتاب مثله من مدة طويلة،
فهل السبب يا ترى أنه يتحدث عن ذكريات الطفولة ؟!
أيا كانت الطفولة ..
صعبة أو مترفة، فالطفولة شيء سماوي لا يعترف بمعاني الدنيا وأوصافها !
إنها مذكرات لكاتبة وصحفية أمريكية اسمها: جانيت وولز (Jeannette Walls) حكت فيها قصتها وطفولتها بأسلوب ساحر .. واسمته: القلعة الزجاجية.
ويا لروعة هذا الاسم، ويا لروعة قصة الاسم ..
حرك الكتاب فيّ مشاعرا مدفونة، ودخلت عالمهم كأنني بينهم في حلهم وترحالهم مع جانيت ووالدها ريكس .. فوجهت لهم هذه الرسالة-ويا ليت من يوصلها لجانيت-:
“ايه يا ريكس وولز…
لو رأيت تلك القلعة الزجاجية التي بنتها ابنتك، لوقفت مشدوها وفخورًا.
آه يا ريكس… لقد عبثتَ بمشاعري كما عبثتَ بحياتك؛
في كل صفحة كنتُ أحبك… ثم أكرهك…
ثم أعود فأحبك… ثم أكرهك من جديد…
حتى فقدتُ القدرة على الحكم عليك.
جينيت وولز، شكرًا على هذه التحفة.
شكرًا على هذه القلعة الشفافة التي نقلتِ بها حكايتك بصدقٍ موجع.
عشتُ معكم…
تنقلتُ معكم…
تعبتُ معكم…
وفرحتُ، وغضبتُ، ودهشتُ…
وكأنني كنت هناك، بين باتل ماونتن وغيرها.
ولذلك… قررت:
سأهدي ابنتي نجمة من السماء،
فهل سيحزنك… لو اختارت الزهرة؟!”
النقاش
0 ردود