Loading

الكتابات

قصة التبريد: الجزء الثاني


خل القيراطي داره وقد بخَّرَت حرارة الجو كل قطرة من طاقته ..! وجفَّفَت كل بحار همته !

دخل عابس الوجه مقطِّبَ الجبين، فلم يُسَلِّم كعادته، ولم يتحدث مع أحد، بل مر من أمام زوجه وكأنها صنم! أو كأنه آلة متحركة !!

دخل إحدى الغرف وألقى بجسده المنهك على أريكته ثم خلع عمامته، وقال:

بروحيَ أفدي (باذْهَنْجَا) مُوَكَّلًا    بإطفاء ما نلقاه من حرق الجوى

إذا فُتِحَتْ في الحرِّ منه طرائقٌ    أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى

ولم ينهي شطره الأخير إلا وزوجه تدخل عليه بماء ليشرب – وقد سمعت كل ما قال عن هواه- لكنها لم تحرك ساكنا ولم يغضبها ذلك الشيء !

لأنها تعرف عمن يتحدث وعن أي هوًا يتكلم، وهل تغار زوجاتكم من حبكم للمكيف ؟! ذلك الذي يأتيك هواه الرائع فيطفئ ما تلقاه من حرق الجوى كما قال القيراطي !!

أيها الأحبة:

إن (الباذهنج) أو (الملقف) هو المكيف القديم ..!

ولك أن تتساءل:

هل وجد المكيف قبل (ويليس كارير) ؟! – لقراءة قصته اضغط هنا

لأستطرد قبل أن أجيبك؛ بأن كثيرا من أساسيات العلوم قد وجدت من قديم الأزمان، واستخدم الناس كثيرا من نظريات الفيزياء دون أن يعلموا فلسفتها الحديثة ..!

إن شيوع ثقافة جهل العصور السابقة لأمر يدعوني إلى العجب ! ولعله جزء من الغرور الغربي وطبعه في احتقار الآخرين ونسفهم كما تستنشق رائحة ذلك من قولهم الشهير:

 the west and the rest  !!

لنعد إلى (الباذهنج) وما أدراك ما الباذهنج ؟

هو إبداع العمارة الإسلامية – ولقد وجد قبل ذلك، لكن تطوره وشيوع استخدامه كان في العصر الذهبي -.

الباذهنج هو ملطف ومرطب للجو، ووسيلة رائعة لجلب الهواء النقي وتهوية الأماكن المغلقة.

الباذهنج هو برج يبنى فوق البيوت والمساجد وغيرها له فتحتان: فتحة علوية في السماء تجلب الهواء النقي البارد نسبيا إلى الفتحة السفلية الموجودة في المنزل أو الجامع، يمر الهواء عبر البرج بقطعة من القماش المبلل بالماء فتزيد برودة الهواء – بسبب تبخر جزيئات الماء كما سأشرحها في مقال قادم عن المكيف الصحراوي بإذن الله -.

إن الباذهنج أشبه ما يكون بالمكيف الصحراوي الحديث ويزيد عليه أنه يجلب الهواء النقي ولا يلوث البيئة ولا يستهلك طاقة ..!

إن عبقرية العمارة تكمن في تحديد اتجاه الفتحة العلوية وتصميم شكلها لتستوعب أكبر كمية من الهواء، ولو كان للتاريخ لسان لأبدى تعجبه من أفكار ملهمة استخدمها بعض المعماريين لزيادة كفاءة الباذهنج؛ كاستخدام مواد معينة في بنائه لها سعة حرارية عالية بحيث تحتفظ ببرودة الليل نهارًا فيأتي الهواء باردا إذا مر من خلالها، وتحتفظ بدفئ النهار ليلًا فيأتي الهواء دافئا.

دعوني أريكم بعض الصور للباذهنج:

الصورة الأولى: في منطقة الجميرا في دبي

الصور الثانية: في إيران

الصورة الثالثة: توضح لكم بعض أنواع الباذهنجات (أو الملاقف) وفتحاتها

الصورة الرابعة: توضح لكم توزيع الهواء في المبنى

الموضوع واسع، ولا أريد التطويل فلعله يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق !

وقبل أن أختم، لنردد معا قول القيراطي –رحمه الله-:

بروحيَ أفدي (باذْهَنْجَا) مُوَكَّلًا    بإطفاء ما نلقاه من حرق الجوى

إذا فُتِحَتْ في الحرِّ منه طرائقٌ    أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى

إرسال بالبريد مشاركة عبر واتساب

النقاش

0 ردود

تواصل

القمم والطموح الأشرعة والحركة الأبواب والمعالم

Developed By Bakry Abdelsalam